نبيل أحمد صقر
227
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
لدى النفس ، والشكل المختل قبيحا ، ومع الاعتراف باختلاف الناس في بعض ما يعبر عنه بالجمال والقبح كما قال أبو الطيب : ضروب الناس عشاق ضروبا وأن بعض الناس يستجيد من الملابس ما لا يرضى به الآخر ، ويستحسن من الألوان ما يستقبحه الآخر ، ومع ذلك كله فالمشاهد أن معظم الأحوال لا يختلف فيها الناس السالمو الأذواق . فأما المتقدمون فقال سقراط : سبب الجمال حب النفع ، وقال أفلاطون : « الجمال أمر إلهي أزلي موجود في عالم غير قابل للتغير ، قد تمتعت الأرواح به قبل هبوطها إلى الأجسام فلما نزلت إلى الأجسام صارت مهما رأت شيئا على مثال ما عهدته في العوالم العقلية ، وهي عالم المثال مالت إليه لأنه مألوفها من قبل هبوطها » . وذهب الطبائعيون إلى أن الجمال شئ ينشأ عندنا عن الإحساس بالحواس ، ورأيت في كتاب جامع أسرار الطب للحكيم عبد الملك بن زهر القرطبي « العشق الحسى إنما هو ميل النفس إلى الشيء الذي تستحسنه وتستلذه ، وذلك أن الروح النفساني الذي مسكنه الدماغ قريب من النور البصري الذي يحيط بالعين ومتصل بمؤخر الدماغ وهو الذكر ، فإذا نظرت العين إلى الشيء المستحسن انضم النوري البصري وارتعد فبذلك الانضمام والارتعاد يتصل بالروح النفساني فيقبله قبولا حسنا ثم يودعه الذكر فيوجب ذلك المحبة ، ويشترك أيضا بالروح الحيواني الذي مسكنه القلب لاتصاله بأفعاله في الجسد كله فحينئذ تكون الفكرة والهم والسهر » « 1 » . رأينا في المثال الأول من الأمثلة السابقة عند تفسير قوله تعالى :
--> ( 1 ) التحرير والتنوير ، ج 3 ، ص 226 .